أخبار -
هجمات الأسيد (1): حكايات ضحايا مياه النار ما بين الألم والنسيان

(الحكاية الأولى)
في إحدى الليالي التي تصفها إيمان، 39 عامًا، بأنها أسوء يوم في حياتها على الرغم من مرور 8 سنوات على الحادث إلى أنه لا يزال محفورا بكافة تفاصيله الدقيقة عند إيمان وابنتها التي كانت تبلغ وقتها 4 سنوات، حيث تسير بجوارها ذاهبين للعمل لكونها أصبحت مسؤولة عن أولادها الخمسة، من بعد طلاقها من زوجها، وإذ بها تتلفت لأحدهم ينادي باسمها حتى تفاجأت بعلبة الأسيد أمامها أو “مياه النار” بالاسم المتعارف عليها، على وجهها ومن هنا بدأت الحكاية.

وفقًا لإحصائيات صادرة من مستشفى أهل مصر وهي أول مستشفى تخصصي لعلاج حالات الحروق بالمجان توجد 500 ألف حالة سنويًا تتعرض للحروق في مصر، وتعتبر السيدات هن الأكثر إصابة مقارنه بالرجال، بالإضافة إلى أن حوادث الحروق السبب الثالث الأكثر شيوعا التي تؤدى إلى الوفاة في مصر، كما أن 10% من حالات السيدات التي تستقبلها المستشفى نتيجة للعنف الزوجي.

ومن هنا ذهبت محررة “الدستور” في زيارة لمستشفى “أهل مصر” لترصد حكايات ضحايا الأسيد والمطالبة بوجود قانون من شأنه أن يغلظ العقوبات الخاصة بالعنف ضد المرأة.

أول ضحية كانت إيمان التي فتحت لنا قلبها، وبعد سؤال المسؤولين عن الحالة من رفضها وقبولها التسجيل أفادونا بالقبول وتعاهدنا ألا نجهدها بالحديث لما بها من ألم نفسي وجسدي.
• مشاعر الانتقام
تحكي إيمان قائلة: “تزوجت بعد قصة حب بدأت في الثانوية بشبرا الخيمة، وكان عمري 15 عامًا، تم الزواج من جاري والذي كان يكبرني بعشر سنوات، وأنجبت 4 بنات وولد، ومنذ أول يوم وأدركت أن حياتي غير مستقرة بالمرة، فكان الضرب هو الأساس والحلف بالطلاق، حتى ذهبنا أنا وزوجي للمشيخة التي أقرت بعدم جواز العيشة سويًا ولابد من وقوع الطلاق، وحينها رفض زوجي رفضًا باتًا الطلاق الأمر الذي اضطرني بالعيش مع والدتي، ومن ثم وبعد محاولات عدة وضرب وقع الطلاق ولكن كان في عينه كل معاني الانتقام حينها شعرت بالخوف، ولكني كنتُ اعتقد أن هذه المشاعر لحظية وستمضي”.

وبالبكاء الشديد تستطرد: “عند حدوث الطلاق قال لي وقتها أنتي حلوة وممكن تتجوزي رديت عليه وأكدت أني كرهت الرجالة ولا يمكن أن أتزوج وهعيش لأولادي وقمتُ له بالتنازل عن كل شيء، وعن حقوقي ولكن كل هذا لا يكفي فحرمني أن أعيش بصورة طبيعية، حتى أن أعمل لتربية أولادي”.

• جثة لا تتحرك
وعن يوم الحادث: “بمجرد أن ألقى ماء النار بوجهي والجزء الأكبر جاء على وجه ابنتي، لم أشعر بجسدي مطلقًا وصرخت بعلو صوتي فإن جسمي كان يتآكل، فلم أسمع عن مياه النار غير من الأفلام، ووقتها شعرت بكم الألم والقهر ومرت سنوات عمري أمام عيني في ثواني قبل أن أقع على الأرض وكأني جثة”.

• إيمان ضحية الأسيد: أجريت 4 عمليات وابنتي 35 عملية
واستكملت: “سبع ساعات ونسير بالإسعاف ولم نجد مستشفى يستقبلني ولازالت مياه النار تأكل في جسدي، إلى أن تم استقبلنا في مستشفى الزهراء الجامعي، وبالفعل استقبلتنا وقمنا بإجراء عدد من العمليات هناك وكان الترقيع الذي يحدث لنا يقع بسبب الحالة النفسية السيئة، خرجت من المستشفى وحالتي النفسية وحالة ابنتي في منتهي السوء، وكدتً أن أفقد الأمل تمامًا في ممارسة الحياة من جديد إلى أن تم استقبالي في مستشفى متخصصة للحروق بالمجان، وبالفعل أجربت من أربع سنوات وقت تواجدي بها أربعة عمليات بينما ابنتي أجرت 35 عملية حتى الآن”.
• محمد رمضان والأمل الجديد
وعن حالة ابنتها قالت ايمان:” بنتي بتتحسن وأنا أفضل لي أن يتم إدخال ابنتي للعمليات، وأنا لا فهي لازالت تحلم ولديها أمل في الحياة، وبعد 4 سنوات من محاولات إقناعها دخول الامتحانات أخيرا ذهبت للجنة الامتحان اليوم بعدما زارنا الفنان محمد رمضان وقال لابنتي (أنتِ حلوة أوي) من وقتها وهي في حالة أحسن”.

• ساتر الوجه
بعلامات حزن وآسي قالت إيمان: “كنت نسيت شكل الشارع، حاليًا أنزل الشارع ولكن بالساتر على وجهي، فنظرات الناس تأكل في جسدي كما كانت تأكل مياه النار، بسبب ما بها من تساؤلات، وشفقة، وهناك اشمئزاز حتى من شكل يدي، فقدت الثقة في كل الناس، بتمني أنهم يرحموني من نظراتهم القاسية”، ووجهت رسالة لطليقها قائلة: “حسبي الله ونعم الوكيل ومش مسامحاك أنت سبب تدميري، وأجهشت بالبكاء”.

علق الدكتور عادل أحمد، المدير التنفيذي بمستشفى أهل مصر، أن نسبة 10% التي يستقبلها المستشفى من السيدات نتيجة العنف الزوجي ليست دقيقة خاصة وأن معظم السيدات اللاتي يتعرضن للحرق عن طريق الزوج أو الخطيب لا يبلغن الشرطة مما يضيع حقهن مثل حالة إيمان ومعظم الحالات الأخرى، مؤكدًا أنه لا يوجد إحصائية رسمية داخل مصر بأعداد الضحايا اللاتي يتعرضن لاعتداء الأسيد.

• أخطر 6 ساعات في حياة مريض الحروق
وأكد الدكتور عادل أن أول 6 ساعات للمريض من وقت حدوث الحروق هي تعتبر أخطر وقت في حياته فتكون نسبة إنقاذه بصورة أكبر في هذا الوقت أما بعد مرور هذا الوقت على الحادث يكون الأمر معقد واحتمال كبير أن يفقد حياته، فتعرض الشخص للحرق ليس أمر سهل بل أمر في غاية الصعوبة.

وعن استقبال الحالات بالمستشفى قال: “لو كانت الحالة عاجلة يتم التعامل معها على الفور، أما لو كان مر سنوات على الحادث يتم فحص الحالة لإثبات أنها ليس لديها قدرة مادية ومن ثم يتم وضع خطة العلاج على الفور لضمان رجوع آمن للمجتمع”، وعن أكثر الأماكن التي يوجد بها الحرق قال: “على حسب الدافع فلو كان التشويه فيكون الوجه هو الأساس”.

وعن تنمر المجتمع أوضح: “الأمر اختلف عن السنوات الماضية كثيرًا، وأصبح الوعي فيما يخص التنمر والتعامل مع هؤلاء الأشخاص كبير ولكن ليست بالصورة الكاملة، فلابد من التكاتف الإعلامي والوسائل البصرية والسمعية والفن وتدريس ذلك بالمناهج حتى يتم وصول الصورة بنسبة أكبر فليس لهؤلاء ذنب لما مروا به، ويكفي ما يتعرضوا له من تنمر وعبء جسدي ونفسي”.

• قبل وبعد كورونا
يتابع “عادل”، أنه مثل كافة المجالات تعرضنا لعجز في أسرة العناية المركزة بالتزامن مع أزمة كورونا، فأصبحت الأسرة محدودة ومخصصة لحالات كورونا ولكن لا يدركون أن حالات الحرق هي الأصعب.

وأشار الدكتور عادل لمشكلة خاصة بالأطراف الصناعية التي يتم توفيرها كبديل في حالة حدوث حرق في العضو الأساسي أن الأطفال أبرزهم ينتموا لطبقات فقيرة لحد كبير بالتالي تكون بنية العضلات ضعيفة، ومن ثم لا يتحمل التعامل مع الطرف مما يضطرنا لتركيبة عندما تشتد البنية الخاصة بالطفل حتى لا يؤثر تركيبة على فقرات الظهر والعمود الفقري.

(الحكاية الثانية)
في مشادة بيني وبين أهل زوجي بسبب الأخير قامت إحداهن بسكب مياه النار على وجهي مما جعله يتآكل وعلى الرغم أن كل هذا حدث بسبب زوجي إلا أنه قام بالتخلي عني في أشد مرحلة وهي دخولي للعمليات لأول مرة بسبب الحرق، وبسبب بناتي وخوفي من الموت لم أبلغ عنه واكتفيت بأنه سيظل بجواري ولكن خاب ظني به، ما سبق هو جزء من معاناة نيفين إحدى ضحايا الحروق.

“قالي يا عورة” في موقف تحكيه نيفين باكية تعرضت لهذه الجملة من قبل رجل في الشارع ما دفعني لارتداء النقاب لإخفاء وجهي عنهم، لعدم تعرضي لمثل هذه المواقف مرة أخرى.

قطعت نيفين حديثها معنا بسبب تعامد الشمس عليها فجأة قائلة “ممكن نبعد عشان الشمس بتتعبني”.

واستكملت: “زوجي لم يكتفي بعدم وجوده بجواري بل أخذ بنتي الصغيرة التي تبلغ 4 سنوات، وحرمني منها وترك معي البنت الكبرى وعمرها 6 سنوات، وحرم بنتي مني”.

“كلمة حلوة بتسعدني” طالبت نيفين من كل شخص رأي في الشارع آخر تعرض للحرق لا يرمقه بالنظرات القاسية التي تعرضه لنفس ألم الحرق، مستطردة: “أنا منتظرة حاليًا بعد أيام فقط عملية أخرى عندي أمل في ربنا أنها تكون الأخيرة لكي استعيد ولو جزء من حياتي، نفسي أعيش زي الناس الطبيعية”.

(الحكاية الثالثة)
ولاء تبلغ من العمر 37 عامًا، بسبب وجود مشاكل بينها وبين زوجها وصلت لحد كبير تعرضت لإصابتها بالحروق نتيجة للزيت داخل المطبخ.

روت لنا ولاء من وراء ستار، حيث رفضت أن نراها ولكنها أصرت أن تصل حكايتها لأكبر قدر من النساء.

تحكي ولاء: “كان دائم الضرب لي وفي يوم قام بالتهجم عليً بالمطبخ وإذ فجأة انسكب الزيت على بطني وتركني في المطبخ وفر هاربًا إلى أن أتى أحد من الجيران لإطفائي باستخدام طفاية الحريق، ولكن لم يتبق من جسدي جزء سليم، ولم أبلغ عنه بصراحة كنت خافيه منه”.

واستكملت رافضة الإفصاح عن أي معلومات تخص أولادها أو عددهم: “فقت من غرفة العمليات على ورقة طلاقي، فتخلى عني بسبب شكلي فلا أستطيع القيام بمهام الزوجية كما في السابق، بالفعل حياتي ادمرت لا أنكر أنني الآن أفضل مما سبق ولكن مش عارفة أشتغل ولا عارفة أعمل حاجة في حياتي”.

• طبيب نفسي: الثقة بالنفس أهم مراحل العلاج
أكد الدكتور محمد هاني استشاري الصحة النفسية أن نسبة 75% من العلاج الخاص بضحايا الأسيد يكون نفسي، لما تمثله الصحة النفسية من الوصول لحالة من التأزم في هذه الحالة، فالأمر بالفعل صعب ويعتبر نوع من أنواع القهر والظلم تتعرض له الضحية، فبمجرد أن تنظر إليها باشمئزاز وتبتعد ولو خطوة بمجرد رؤية شخص مُصاب بالحروق تعرضه لآذى نفسي لا تتخيله.

وتابع: نبدأ بتدعيم الثقة بالنفس، ويرصد الدكتور هاني المراحل الخاصة بالعلاج والتي تشمل تدعيم الثقة بالنفس، يليها مرحلة تقبل الشكل يليها محاولة الدمج داخل المجتمع من خلال عمل أو ممارسة هواية ليتغذى لديه أهميته داخل المجتمع، مشيرًا إلى ضرورة أن تكون الضحية مبتعدة عن الجاني حتى لا تتأجج مشاعر الانتقام لديها.
• جرائم الأسيد ليست لها عقوبة صريحة بالقانون المصري
“بطالب أن تكون العقوبة متناسبة مع الجرم” هكذا قالت انتصار السعيد، محامية ورئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، هجمات الأسيد تزيد وتسمح بهروب الجاني خاصة لعدم وجود قانون يجرم استخدامه وهو ما يسمح بانتشار هذه الجرائم التي تشوه النساء، إلى جانب عدم وجود قانون مصري يجرم هذا وتقع العقوبة ضمن جرائم الضرب والتي تنظمها المواد 240 و241 و242 ضمن قانون العقوبات.

وتنص مادة 240 على أن “كل ما أحدث بغيره جرحًا أو ضربًا ونشأ عنه قطع أو انفصال عضو فقد منفعته، أو نشأ عنه كف البصر أو فقد إحدى العينين، أو نشأ عنه عاهة مستديمة يستحيل برؤها، يعاقب بالسجن من 3 إلى 5 سنوات، أما إذا كان الضرب أو الجرح صادرًا عن سبق إصرار أو ترصد أو تربص فيحكم بالأشغال الشاقة من 3 إلى 10 سنوات ويضاعف الحد الأقصى للعقوبات المقررة إذا ارتكب الجريمة تنفيذا لغرض إرهابي” وتساءلت هل هذا يكفي لشخص تسبب في موت شخص آخر بالحياة وتدمير حياته!.

وطالبت بوجود قانون موحد للعنف ضد المرأة يشمل كافة هذه القوانين المتفرقة ويشمل مادة لهجمات الأسيد في مصر لانتشارها كوسيلة للانتقام خلاَفًا لما يعاني منه الضحية من تنمر وعبء نفسي، وعدم أخذ فرصته في التعليم.

ووفقًا للإحصائيات العام الماضي نسبة 99% من حالات الحروق من الأطفال يحرمون من التعليم بسبب التنمر.

تفاصيل أكثر : https://www.dostor.org/3384497