أخبار -
حكايات من دفاتر «ضحايا الحروق»

 قهروا أصعب الظروف وواجهوا التهميش والتجاهل والتنمر بصبر وعزيمة من فولاذ

ظل الألم والمعاناة برفقتهم لأيام وشهور وسنوات طويلة، شعروا خلال هذه الرحلة المؤلمة بالقسوة والقهر، وتجنبوا النظر للمرآة، واكتفوا بتحسس وجوههم بأيديهم لمعرفة حجم الأضرار الجسيمة التى خلَّفتها النيران بعدما أكلت أجسادهم بلا مقدمات ولا رحمة. ابتعدوا عن الجميع رغماً عنهم، لأن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع نظروا إليهم بسخرية واستخفاف وتنمر، وأحياناً بشفقة كانت آلامها أشد قسوة من ألم الحروق.. لم يمنحوهم الفرصة للبقاء بينهم، أو احتوائهم أو دمجهم داخل المجتمع، ولم يساعدهم أحد فى خلق ذكريات جديدة، فبات حاضرهم يشبه ماضيهم، يقضون معظم أوقاتهم يفكرون فيما حدث لهم وما آل إليه مصيرهم وكيف فقدوا ملامحهم لحظة اشتعال الحريق، لكنهم كانوا يمتلكون من الإصرار والعزيمة ما مكَّنهم من مغادرة بحار اليأس والإحباط إلى شواطئ الأمل والنجاة، وتعاملوا مع الموقف بصبر يُحسدون عليه.

مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق بالمجان كان هو القشة التى تعلق بها غرقى كوارث الحروق، للعودة مجدداً للحياة، وبدأ المستشفى رحلة علاج مضنية معهم لإعادتهم إلى الحياة من جديد، وبدأوا يلعبون ويتحدثون عن آمالهم تارة وأوجاعهم تارة أخرى، ويتشاركون الحزن والفرح، حتى خرجوا للنور.

أبطال الحروق، الذين شوهت النيران ملامحهم، وعاشوا سنوات طويلة من المعاناة، ولحظات لا تُنسى من القهر، وأوجاعاً لا تزول، وجدوا باباً للأمل والخروج إلى الحياة من جديد بعد رحلة علاج طويلة رصدتها «الوطن» فى ملف متكامل يتضمن قصص وحكايات الألم والدموع والمعاناة واليأس والصبر والإرادة والعزيمة لأبطال قهروا أصعب الظروف وواجهوا التهميش والتنمر بعزيمة من فولاذ.

«رغدة»: أنبوبة بوتاجاز انفجرت في وجهي.. وأجريت ٢٠ عملية

داخل غرفة سكنية بمؤسسة علاج الحروق، بين كتب ومذكرات القانون، تجلس رغدة عبدالعزيز شحاتة، 19 عاماً، طالبة بالفرقة الثانية بكلية الحقوق، تتمعن فى سطور الكتب، تحاول إخفاء حروق جسدها ووجهها التى طالتها منذ 9 سنوات، وهى فى العاشرة من عمرها بعدما انفجرت أنبوبة بوتاجاز فى وجهها، وأصابتها فى وجهها ويديها ورجليها ما أدى إلى تشوّهات فى الوجه وفقدان أطراف اليدين والرجلين.

9 سنوات عاشتها «رغدة» تحاول نسيان بشاعة الحادث بالمذاكرة، تبحث فى دراستها عن حقوق ضحايا الحروق، وكيفية الحفاظ على حقهم ضد التنمر والتعدى، وتحلم بيوم التخرج والخروج لسوق العمل، عقب إتمام رحلة علاجها والعودة لطبيعتها، وعن ذلك قالت: «نفسى أحضر حفلة تخرجى وأنا مخلّصة عملياتى، وماعنديش حروق».

الابتسامة لم تفارق وجه «رغدة» البشوش رغم معاناتها، فلديها طموح ومثابرة جعلاها محبة للحياة، وتأمل فى عوض الغد، مؤمنة بشعار ترفعه دائما هو «رب الخير لا يأتى إلا بالخير».

تذكر «رغدة» يوم الحادث بابتسامة عريضة، تخللتها الدموع والبكاء فى أصعب لحظاتها، وأضافت: «كنت ١٠ سنين، وقبل أيام من عيد الأضحى وأنا فى المطبخ بسخّن أكل الأنبوبة انفجرت، ماحستش بحاجة بعدها غير أن بابا لف بيا من المنيا لأسيوط للمنصورة، بدون فايدة عذاب وبس».

شهور طويلة قضتها «رغدة» فى أحد مستشفيات أسيوط كانت بمثابة رحلة عذاب وليس علاجاً، بحسب تأكيدها لـ«الوطن» بالقول: «قبلونى بالخناق والمعافرة بعد حرق إيدى ووشى ورجلى، ماكنتش بتعالج أنا كنت بتعذب، كل حاجة بنزف بعدها بيشدونى غصب عشان العلاج الطبيعى رغم أنه مش وقته لحد ما إيدى تلفت خالص وقررت أوقف العلاج». مؤسسة علاج الحروق بالمجان، كانت القشة التى تعلقت بها «رغدة» خلال أزمتها، وتابعت: «فى ٢٠١٣ اتعرفت على المؤسسة وعملت فيها أول وأكبر عملية توقّفنى على رجلى من تانى، وبقيت أستخدم إيدى كمان بعد أكتر من ٢٠ عملية جراحية».

نوبة الدموع والانهيار أوقفت ابتسامتها وهى تتذكر رفيقها الوحيد وشريك رحلتها، أباها الذى رحل مؤخراً، وتابعت حديثها قائلة: «بابا هو الوحيد اللى كان شايفنى حلوة، وهو اللى شجعنى أكمل، بس لما مات حسيت إنى غرقانة وماكانش عندى حل إلا المذاكرة وأدخل الكلية وأحقق حلمه».

دخلت كلية حقوق أسيوط.. وحلمها أن تحضر حفلة تخرجها بلا حروق وتصبح مستشارة

الالتحاق بكلية الحقوق كان حلم والدها وحلمها، الذى طالما راودها، وقالت: «دخلت حقوق أسيوط وبقى عندى أصحاب، وبفضل المؤسسة عملت تقليل اغتراب وجيت جامعة القاهرة، وقاعدة فى سكن المؤسسة أدرس وأتعالج، وبحلم أخلّص عمليات قبل التخرج وبحلم أكون مستشارة».